السيد كمال الحيدري
438
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
أصل وجوب التفقّه في الدين قائم على أساس تجنيب المسلم فضلًا عن المؤمن من الوقوع في المخالفة الشرعية ، وهذه عملية دفعية لا رفعية ، والعمليتان معاً تندرجان ضمن دائرة الإخراج من الظلمات إلى النور ، وإن كان الرفع أكثر ظهوراً لشدَّة الأُنس بذلك ، ولكن الإخراج في مقام الدفع هو الأشرف كمالًا ، ولعلَّ الحاجة للدفع هي أعظم من الحاجة للرفع بالنسبة للمؤمن ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : ( العلماء كلّهم هلكى إلا العاملون ، والعاملون كلّهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر ) « 1 » ، بمعنى أنَّ العالم العامل يحتاج أن يبقى كذاك كي لا يهلك ، ولا يكون كذلك بدون دفع الزلل عنه ، والعالم العامل المخلص بحاجة لدوام إخلاصه كي لا يهلك ، وهذا لا يكون أو لا يدوم إلا بالدفع ، وهكذا . قال الرازي : ( قوله : يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلمات إِلَى النور ، ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم هاهنا قولان : القول الأوّل : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصّة بمن كان كافراً ثم أسلم ، . . . والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كلّ من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم ، سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات ألبتّة ، ويدلّ على جوازه : القرآن والخبر والعُرْف . . . ، وتحقيقه أنَّ العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات ، فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فبهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع ، والله أعلم ) « 2 » .
--> ( 1 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورّام ) ، للورّام بن أبي فراس المالكي : ج 2 ، ص 118 . ( 2 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 19 - 20 ، ( المسألة الثانية ) . .